الغزالي

100

إحياء علوم الدين

وكل من جمع كمال هذه الأخلاق ، استحق أن يكون بين الخلق ملكا مطاعا ، يرجع الخلق كلهم إليه ، ويقتدون به في جميع الأفعال . ومن انفك عن هذه الأخلاق كلها ، واتصف بأضدادها ، استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد ، فإنه قد قرب من الشيطان اللعين المبعد ، فينبغي أن يبعد ، كما أن الأول قريب من الملك المقرب ، فينبغي أن يقتدى به ، ويتقرب إليه . فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ 1 ] لم يبعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق كما قال . وقد أشار القرءان إلى هذه الأخلاق في أوصاف المؤمنين ، فقال تعالى * ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله ورَسُولِه ِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وأَنْفُسِهِمْ في سَبِيلِ الله أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ) * « 1 » فالإيمان باللَّه وبرسوله من غير ارتياب ، هو قوة اليقين ، وهو ثمرة العقل ومنتهى الحكمة . والمجاهدة بالمال ، هو السخاء ، الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة . والمجاهدة بالنفس ، هي الشجاعة ، التي ترجع إلى استعمال قوة الغضب على شرط العقل ، وحد الاعتدال فقد وصف الله تعالى الصحابة فقال * ( أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ ) * « 2 » إشارة إلى أن للشدة موضعا ، وللرحمة موضعا . فليس الكمال في الشدة بكل حال ، ولا في الرحمة بكل حال . فهذا بيان معنى الخلق ، وحسنه وقبحه ، وبيان أركانه وثمراته وفروعه بيان قبول الأخلاق للتغيير بطريق الرياضة اعلم أن بعض من غلبت البطالة عليه ، استثقل المجاهدة والرياضة ، والاشتغال بتزكية النفس وتهذيب الأخلاق . فلم تسمح نفسه بأن يكون ذلك ، لقصوره ونقصه وخبث دخلته ، فزعم أن الأخلاق لا يتصور تغييرها ، فإن الطباع لا تتغير . واستدل فيه بأمرين أحدهما : أن الخلق هو صورة الباطن ، كما أن الخلق هو صورة الظاهر . فالخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها . فالقصير لا يقدر أن يجعل نفسه طويلا ، ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيرا ، ولا القبيح يقدر على تحسين صورته . فكذلك القبح الباطن يجرى هذا المجرى

--> « 1 » الحجرات : 15 « 2 » الفتح : 29